دراسة فلسفية لنظرية المجموعات عند علماء الرياضيات القدامى

من بين نتائج أزمة الرياضيات نظرية المجموعات، وعندما نتحدث عن هذه النظرية

(1918-1845 Cantor) يتبادر إلى أذهاننا مباشرة الرياضي الألماني جورج كانتور

.( l’infini) الذي انكب على دراسة مسائل رياضية ذات أهمية من بينها اللامتناهي

إن “اللامتناهي” أو “ما لا نهاية” هو بمثابة لغز حير الكثير من المفكرين، فلاسفة كانوا

أو رياضيين أو فيزيائيين أو علماء فلك… في مختلف العصور، كما أنه تصور فرض وجوده

في معظم الأنساق الفلسفية التي كانت تهدف إلى الإجابة على مختلف تساؤلات الإنسان، ومن

انه السؤال الذي جعل الفلاسفة يتركون في ؟ (Dieu) بينها مفهوم الإله، أو من يكون الإله

أنساقهم مكانا للإله اللامتناهي بالتعريف فهو الأزلي الأبدي.

وإذا كان هو ضروري في الميتافيزيقا، فهو كذلك بالنسبة للعلم، إذ أنه يوجد مجال

معرفي تطرق إلى المواضيع اللامتناهية ألا هو الرياضيات فكيف تم الوصول إلى مفهوم

اللامتناهي في الرياضيات؟

وقبل ذلك ما هو اللامتناهي؟ هل هو بالفعل موجود في الطبيعة، في العالم الحسي،

في الفيزياء، أم أنه مجرد تصور ذهني محض؟ هل اللامتناهي عند الفلاسفة القدامى هو نفسه

الذي قال به كانتور ؟و منه ما هو اللامتناهي عند كانتور؟ و كيف تم الانتقال من اللامتناهي

الفلسفي إلى اللامتناهي الرياضي؟ 

اللامتناهي هو تصور مرتبط بكل ما ليس له حد كالعدد أو القياس ورمزه ∞، الذي

1703-1616 ) وذلك سنة John Wallis) استعمل لأول مرة من طرف جون واليس

.(1) 1656 ، إذ استمده من الرومان الذين كانوا يستعملونه للإشارة إلى العدد 1000

( ولا يعتبر اللامتناهي نفيا للامتناهي (لا-متناهي) إذ ليس هناك أدنى تشابه بينهما( 2

مما يعني أن هناك فروقات تحول دون تقاربهما ،يقول “لالاند” في معجمه :” لن أستخدم أبدا

مصطلح “اللامتناهي” للتعبير عما ليس له نهاية، … لكن للتعبير عن الأكبر من كل ما هو

متناهي”( 3). فلا يجب القول أن العالم لا متناهي لأننا لم نستطع أن ندرك أنه متناهي، لم

نستطع أن نحصي الموجودات،ولكن ماذا يوجد بعد الذي نراه؟ إن هذه التساؤلات جعلت من

أل “ما لا نهاية” أواللامتناهي” لغز حير المفكرين في مختلف مراحل العصور.

كما لدينا اللامتناهي الأرسطي في كتابه حول الفيزياء لاحظ  العالم الشهير”أرسطو أن 

“دراسة اللامتناهي يحتوي على إحراج، لأنه سواء أقررنا أنه موجود أو لا، فإن النتيجة

المستحيلات المتعددة”( 13 ) وحسب ما هو واضح في قول أرسطو، فانه لا يمكن الحديث عن

اللامتناهي، وإذا تحدثنا عنه بأي طريقة سيوجد؟ما صورته؟ هل هو موجود في ذاته أم هو

مجرد عرض لموجود آخر؟ هل هو واحد أم متعدد؟ إنها تساؤلات طرحها أرسطو والكثيرون

الذين بحثوا من أجل معرفة حقيقة اللامتناهي هذا إن وجد. فحسب أرسطو يجب تحديد

المقصود من اللامتناهي أو الصور التي تحدده،”فهو من ناحية يشير إلى كل ملا يمكن

.( إحصاؤه لأنه بطبيعته مستحيل ،ومن جهة أخرى هو كل ما كان مساره دون حد”

و أيضآ  لدينا اللامتناهي الإقليدي 

حيث يعتبر “إقليدس”  أول مؤسس لبدهنة الهندسة (أكسمة*) فقد وضع مجموعة من المفاهيم (la première axiomatisation de la géométrie)

،( البديهيات، التعريفات، المصادرات وانطلاقا من هذه المبادئ برهن على قضية هندسية( 26

لكن ما علاقة هندسة إقليدس باللامتناهي؟ لنأخذ واحدا من التعريفات استعمله إقليدس وليكن

التوازي: مستقيمان متوازيان في مستوى واحد هما بلا حدود من جهة، ومن جهة ثانية لا

ولم يستخدم مصطلح ” “Indéfini” يتقاطعان من الجهتين، وقد استخدم إقليدس مصطلح

27 ) وذلك لأنه رأى أن القول باللامتناهي يؤدي إلى التناقض ولهذا تجنبه. )” infini

وبالإضافة إلى ما سبق فقد كان هناك خلط بين اللامتناهي وبين اللامحدود، بين

فاللامتناهي مرتبط بالمجهول، ،( fini-défini) و (indéfini- infini) المتناهي والمحدود

بما هو غير معلوم، بينما المتناهي هو معلوم ومحدد وتام، إلا أن إقليدس قد بالغ في تعريف

المتناهي لأن هناك كثير من المواضيع المتناهية لكن غير محددة بشكل تام ودقيق، بينما قد

يوجد اللامتناهي لكنه محدد ،فمثلا حبات الرمل لكوكبنا هي غير محددة بالرغم أنها متناهية،

بينما مجموعة الأعداد الطبيعية هي لا متناهية ولكنها محدودة

و أخيرآ اللامتناهي عند العلماء و الفلاسفة المسلمين 

اطلع الرياضيون العرب على التراث اليوناني وقاموا بترجمته، فنجد الكندي،

النايزري، ثابت بن قرة، ابن سينا وآخرون درسوا المفاهيم الرياضية واهتموا باللامتناهي،

فبعضهم رأى أنه لا يمكن أن يكون موضوعا ولا مفهوما ولا قياسا، ولكن مع هذا تقبلوه ليس

في ذاته لكن في مقابل المتناهي ،وهو ما أكده من قبل الفيلسوف اليوناني “أبرقلس”

485 ) ،والبعض الآخر أكد وجوده كما هو الشأن عند ثابت بن قرة – 410 Proclus)

901-862 ) الذي ارتبط اسمه بالترجمات الأولى لمؤلفات إقليدس إلى العربية، كما ترجم )

Nicomaque de ) *” كذلك مؤلف “المقدمة الحسابية” للفيلسوف “نيكوماك من جراسا

.( حوالي 150 ) وكذا كتاب “ارخميدس” بعنوان : “الكرة والأسطوانة”( 33 Gerase

ثابت بن قرة أشار إلى مختلف الترتيبات الخاصة باللامتناهي، وأكد على مساواة

مجموعتين لا متناهيتين( 34 ) كإجابة على سؤال: هل اللامتناهي يكون أكبر من اللامتناهي؟

حيث: P و N فإذا كانت لدينا

N= {0.1.2.3.4…} 

P ={0.2.4.6.8..}

فهناك مساواة بينهما على أساس أنه توجد الأعداد الفردية بقدر ما توجد الأعداد الزوجية، أي

أن كل منهما هي نصف الكل الذي يمثل الأعداد، فهذا الكل إذن هو ضعف كل منهما وجمع

الأعداد الزوجية والفردية يساوي الكل، ومن ثم فلا يوجد جزء آخر خارجهما وهذا ما

جعلهما متساويتان.

وقد اعتبر هذه النتيجة واضحة بذاتها لا تحتاج إلي برهان من خلال التقابل العكسي

بين عناصر المجموعتين. كما يؤكد ثابت بن قرة “أن اللامتناهي قد يكون ثلث اللامتناهي أو

الربع أو الخمس أو أي جزء من العدد الذي هو لامتناهي، فالأعداد التي لها ثلث (أي

مضاعفات 3) هي لامتناهية وهي بالنسبة للكل الثلث ،والأعداد التي لها الربع (مضاعفات

. ( 4) هي ربع العدد في كليته والأعداد التي لها الخمس (مضاعفات 5) هي خمس

إعداد الدكتورة 

زبيدة مونية بن ميسي حرم بن عيسى